صندوق الجوع الدولي
كتبهامعروف ، في 9 أغسطس 2008 الساعة: 18:13 م
صندوق النقد الدولي
صندوق الجوع الدولي
لوموند ديبلوماتيك ـ عدد ماي 2008

لقد سبق لكل من صندوق النقد الدولي FMI والمنظمة العالمية للتجارة OMC أن وعدا وعدا حقا بأن من شأن تكثيف عملية نقل البضائع أن تساهم في القضاء على الفقر والجوع في العالم ، وبدل كلمتي : الزراعات المعاشية والاستقلال الذاتي الغذائي تم العثور على جملتين أكثر ذكاء ومخاتلة من ذلك : فالفلاحة المحلية ستهجر أو سيتم توجيهها نحو التصدير ، كما أن أفضل النتائج لن يتم استخلاصها والحصول عليها من الظروف الطبيعية الأكثر ملاءمة للطماطم المكسيكية أو الأناناس الفلبيني على سبيل المثال ، وغنما من كلفة الاستغلال التي هي متدنية في هذين البلدين بشكل مغاير لما هو عليه الحال بفلوريدا أو كاليفورنيا.
إن الفلاح المالي (دولة مالي) سيسلم أمر غذائه لشركات الحبوب Beauce أو Midwest الممكننة أكثر والمنتجة بشكل أكبر ، وهو عندما يغادر أرضه فإنه سيذهب ليساهم في تضخيم أعداد ساكنة المدن كي يتحول إلى عامل في إحدى المقاولات الغربية التي قامت بتهجير أنشطتها إلى مالي بغرض الاستفادة من يد عاملة جد رخيصة. كما أن الدول الإفريقية الشاطئية ستخفف في نفس الآن من ثقل مديونيتها الخارجية من خلال بيع حقوق الصيد للبواخر / المعامل التابعة للبلدان الغنية. بعدها لن يكون أمام الكينيين سوى شراء علب السمك المحفظ البرتغالية أو الدانماركية (1) ، ورغم التلوث الإضافي الناجم عن وسائل النقل ، فإن الجنة كانت مضمونة وكذا أرباح الوسطاء أيضا ( موزعون ، معشرون ، مؤمنون ، إشهاريون . . . ) .
وفجأة يعلن البنك العالمي ، وهو المنخرط والمنافح عن نموذج " التنمية " هذا ، أن " مظاهرات الجوع " ستجتاح 33 بلدا من بلدان المعمور ، كما حذرت المنظمة العالمية للتجارة من عودة متوقعة للنزعة الحمائية من خلال ملاحظتها أن عددا من البلدان المصدرة للمواد الغذائية ( الهند ـ فييتنام ـ مصر ـ كازاخستان . . . ) قد قررت تقليص مبيعاتها من المواد الغذائية للخارج ، وذلك ـ ويا للوقاحة ـ حتى تضمن تغذية سكانها. إن الشمال ينزعج بسرعة من أنانية الآخرين ، وذلك لأن الصينيين يأكلون الكثير من اللحم ، في الوقت الذي يعاني فيه المصريون من قلة القمح.
لقد ضحت الدول التي عملت بـ " نصائح وتعليمات " البنك العالمي وصندوق النقد الدولي بزراعاتها المعاشية ، ومن ثمة لم يعد بإمكانها الاحتفاظ بحقها في التحكم في أوجه استخدام غلالها ، وعليها من ثمة أن تدفع ، لأن ذلك هو قانون السوق. منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة ( الفاو Fao ) قامت بحساب نسبة ارتفاع فاتورة استيراد الحبوب ، فكانت هي 56 % في سنة واحدة، ومن ثمة أيضا كان من المنطقي أن يطالب برنامج الغذاء العالمي PAM الذي يغذي 73 مليون جائع في 70 بلدا بزيادة 500 مليون دولارا إضافية لتمويل برنامجه.
لقد اعتبرت نوايا البرنامج ربما مبالغا فيها ما دام لم يحصل سوى على نصف المقدار الذي طالب به ، إلا أن هذا المقدار في الواقع لا يعادل سوى ثمن بضع ساعات من الحرب في العراق، وو احد على ألف مما كانت ستكلفه أزمة القطاع البنكي ، هذا القطاع الذي تمت نجدته بكرم حاتمي من قبل الدول. إذن بإمكاننا أن نحسب الأمور بشكل مغاير : إن برنامج الغذاء العالمي PAM يطالب لحساب الملايين من الجياع ب 13 % من المبالغ المجنية في السنة الأخيرة من قبل السيد جون بولسون ، مدير أحد صناديق المضاربة ، والذي مكنه حذقه من توقع انتهاء مئات الآلاف من الأمريكيين إلى حالة الإفلاس العقاري . إننا نجهل كم ستخلق هذه المجاعة التي بدأت من أرباح ولصالح من ، لكن لا شيء يضيع أبدا في الاقتصاد الحديث والمعاصر .
وذلك لأن كل شيء يتم تدويره، وكل مضاربة تطرد مضاربة أخرى. إن السياسة النقدية لدى الاحتياطي الفيدرالي FED تشجع الأمريكيين على الاقتراض ، وذلك بعد أن قامت بتغذية فقاعة الأنترنيت، وبذلك فقد ضخمت الفقاعة العقارية. وفي سنة 2006 كان صندوق النقد الدولي لا زال يقدر أن : " كل شيء يشير إلى أن ميكانيزمات الحصول على قرض في السوق العقارية بالولايات المتحدة ظلت فعالة نسبيا ". سوق ـ فعالة: ألا يقتضي المقام لحم هاتين الكلمتين بشكل نهائي وأبدي ؟.. لقد تفجرت الفقاعة العقارية ، ومن ثمة أعاد المضاربون الاعتبار لإحدى الجنان القديمة : إنها أسواق الحبوب ، فاشتروا عقود التسليم للقمح أو الأرز في تاريخ لا حق ومستقبلي ، وهم ينوون إعادة بيعها بثمن أغلى ، وذلك هو ما أدى إلى رفع أسعار الحبوب ، وتسبب في المجاعة الحالية.
ماذا فعل حينها صندوق النقد الدولي ، وهو الذي يضم حسب مديره العام " أفضل فريق من الاقتصاديين في العالم " ؟ .. لقد فسر الوضعية كالتالي: " إحدى الطرق الممكنة من حل معضلات المجاعة تتمثل في تكثيف التجارة الدولية ". لقد كتب الشاعر ليو فيري ذات يوم قائلا ك " كي يغدو فقدان الأمل ذاته قابلا للتسويق والبيع ، عليك فقط أن تجد الصيغة الملائمة لذلك " .
ويبدو أن بعضهم قد وجد هذه الصيغة فعلا.
*******************************
(1) إقرأ جون زيكلر " لاجئو الجوع " ، www.monde-diplomatique.fr/2008/03/ZIEGLER/15658
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اقتصاد سياسي | السمات:اقتصاد سياسي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























