الإشتراكية ـ الديمقراطية المخوصصة
بقلم : جوزي فيدال – بينيتو *

يعتبر البيان الأوربي : الطريق الثالث ، الوسط الجديد ـ الذي أطلقه يوم 8 يونيه الأخير بلندن (1) كل من السيدين بلير وشرودر عملية ذات أهمية سياسية كبرى وذات مرام انتخابية بالأساس . إن انحسار النزعة الليبرالية الأصولية التي لم تترجم بعد من خلال إعادة البناء لقوى اليمين في بناء متماسك تترك شريحة متوفرة من الناخبين الذين لم يتوصلوا إلى تحقيق رضاهم الذاتي سواء بفعل غياب الحس الاجتماعي في الاقتراحات النيوليبرالية أو من محتوى برامج الديمقراطيين المسيحيين القديمة ، ومن ثمة فسيكون هناك منجم هام للأصوات وفضاء سياسي يعتقد الزعيمان الاشتراكيان الديمقراطيان في قدرتهما على لهفه مع حد أدنى من مخاطر الخسارة بالنسبة لكاهلهما اليساري .
وحسب هذين الزعيمين ، فإن الرأسمالية التي استندت من جهة إلى اقتصاد السوق الذي لا يمكن تعويضه ، والمقاولة الخالقة للثروة من جهة أخرى تشكل الأفق الوحيد الممكن بالنسبة للقرن الواحد والعشرين . كما يعتقدان بأن لا خوف لديهما من منافسة اختيارات شيوعية واشتراكية محتملة ستكون منذ الآن غير متطابقة مع المجتمعات الحديثة .
يتعلق الأمر كما يقولان بالتخلي عن راديكالية كل من اليسار واليمين اللتين أصبحتا غير متوافقتين مع تعقد الواقع المعاصر وإنشاء طريق ثالث كفيل بإعادة توسيط الاشتراكية الديمقراطية من خلال تقديمه لاقتراح سياسي مؤسس على قيم جديدة : قيم الحداثة والبراجماتية ، نهاية المساواة كهدف دائم والدولة كدعامة مركزية للعدالة الاجتماعية ، إنعاش التوافق كميكانيزم ذا أفضلية للحياة السياسية ، تشجيع الابتكار والمبادرة الفردية كأداتين حاسمتين للتقدم الفردي والجماعي .
لقد بدأت الصيغة الجديدة ، يؤكد السيدان بلير وشرودر ، في البرهنة على فعاليتها الانتخابية في المملكة المتحدة وألمانيا ، ومؤخرا بإسرائيل ، وستنتهي بأن تفرض ذاتها في كل مكان لأنها عرفت كيف تتجاوز تصلب وبدائية الاشتراكية الديمقراطية العتيقة .
وفي ما وراء تفكك أفكار كهاته ـ والتي يفسر تناقضها المطلق بدون شك مع النقط الإحدى والعشرين للبيان الأوربي للأحزاب الاشتراكية الموقع بميلانو منذ ثلاثة أشهر الفشل المفجع للسيدين بلير وشرودر في الانتخابات الأوربية الأخيرة بتاريخ 13 يونيه ـ فإن من المهم أن نسجل أنهما وضعا حدا نهائيا لتوق الاشتراكية الديمقراطية لاقتراح جواب قوي من طرف اليسار على التعايش الصعب في ما بين النظام الرأسمالي والأنظمة الديمقراطية .
فليس هذا التعايش ملازما أبدا للديمقراطية كما يدعي الفكر الليبرالي ذلك ، إنه يفترض من جهة أن التناقض محلول في ما بين تراكم الرأسمال ، المطلب الأساس للرأسمالية الذي يقود بشكل لا يمكن تحاشيه نحو تمركز الثروة والسلطة الاقتصادية في أيدي حفنة صغيرة من الأفراد ، وشرعنة النظام عبر إعادة توزيع تجعل هيمنة الأغنياء هيمنة مقبولة من طرف غالبية الناس من جهة أخـرى .
إن هذا التناقض يكون مخنوقا خلال الفترات الاقتصادية للنمو التي يتوافق خلالها تعويض عال للرأسمال مع التشغيل التام والارتفاع في الأجور والتعاظم المستمر للاستهلاك . لكنه يتفجر خلال دورات الركود والتراجع ، خاصة إذا لم تكن الدولة ذاتها في مستوى تغطية أوجه النقص . خلال فترات الأزمة هاته فإن الميثاق الاجتماعي في ما بين عالم الشغل ( الممثل من قبل النقابات ) والمقاولات والدولة يجد صعوبة في الاشتغال .
لقد أحالت الأزمة الاقتصادية وتعاظم البطالة خلال السبعينيات عالم الشغل هشا ، وأضعفت التوازن السياسي المهيمن بالغرب ، وخاصة التعايش الصراعي ، لكن المثبت في ما بين الرأسمال ، الشغل والدولة . وفي نهاية الثمانينيات مارس سقوط جدار برلين وتحجر الماركسية على أحزاب اليسار تأثيرا مزلزلا .
لتسقط الدولة ـ الحامية
إن
الأحزاب الاشتراكية التي لم تمارس بعد الإنكار العلني للماركسية لمدينة باد – جوديسبرغ (2) تتعجل متحرقة لفعل ذلك ، وقد تعمم إضفاء طابع الاشتراكية الديمقراطية على الاشتراكية . ولقد قطعت أحزاب اليسار ، الواحد تلو الآخر ، العلاقات التي تقيمها والتي كانت لا تزال قوية مع المنظمات النقابية : البرتغال ، إسبانيا ، إيطاليا … الخ ، خروج إذن من عالم الشغل . غير أن هذا الانقطاع للعلاقات يفقر القاعدة الحقيقية للاشتراكية الديمقراطية ويزيد من تبخر التصويت ، ويضعف مصداقية مشروع التغيير الاجتماعي ، ويختزل الأحزاب الاشتراكية مقلصا إياها إلى مجرد مشاركين في التدافع الانتخابي منشغلين فقط ، كالآخرين ، بالغزو السياسي للسلطة .
ول
المزيد