يد الدولة اليمنى ويدها اليسرى

أبريل 6th, 2008 كتبها معروف نشر في , نصوص بيير بورديو

يد الدولة اليمنى ويدها اليسرى

حوار مع بيير بورديو

عن : نقيض نار  { نصوص للمساهم في مناهضة المد النيوليبرالي }

أبريل 98

سؤال : لقد تناول العدد الجديد من المجلة التي تديرونها موضوع المعاناة (1). ونحن نجد في هذا العدد عدة حوارات مع أشخاص لا تعطيهم وسائل الإعلام الكلمة عادة : شباب الضواحي المحرومون ، صغار الفلاحين ، العمال الاجتماعيون. لقد عبر الأستاذ الرئيس في إعدادية على سبيل المثال ، والذي يعاني من صعوبات جمة ، عن مرارته الشخصية ؛ فبدل أن يحرص على نقل المعارف لتلامذته ، تحول على الرغم منه إلى شرطي في ما يشبه كوميسارية، فهل تعنقدون أن شهادات شيقة وطريفة كهاته يمكن أن تساعد على تفهم تململ اجتماعي؟ …

بيير بورديو : إننا نلتقي في إطار البحث الذي نجريه حول المعاناة الاجتماعية عديدا من الأشخاص كهذا الأستاذ الرئيس في الإعدادية الذين داستهم واخترقتهم تناقضات العالم الاجتماعي المعيشة على شكل محن شخصية، وأستطيع أن أذكر أيضا رئيس المشروع هذا المكلف بتنسيق جميع النشاطات في إحدى " الضواحي الصعبة " بمدينة صغيرة شمال فرنسا، لقد وجد نفسه في مواجهة تناقضات هي الحد الأقصى للتناقضات التي يشعر بها حاليا كل أولئك الذين نسميهم " عمالا اجتماعيين " : المساعدين الاجتماعيين ؛ المربين ؛ هيئة القضاء ؛ وأيضا أكثر فأكثر الأساتذة والمعلمون. إنهم يشكلون ما أسميه اليد اليسرى للدولة ؛ مجموع أعوان الوزارات المستهلِكة كما يقال عنها ، والتي هي في كنف الدولة بصمة وعلامة على صراعات الماضي الاجتماعية ، إنهم يتقابلون مع اليد اليمنى المتمثلة في كبار موظفي وزارة المالية والأبناك العمومية أو الخاصة والمكاتب الوزارية. إن عددا من الحركات الاجتماعية التي نشهدها ( وسنشهدها ) هي تعبير عن ثورة النبالة الصغرى للدولة ضد نبالتها الكبرى.

سؤال : كيف تفسرون هذا السخط ، هذه الصورة من فقدان الأمل وهذه الثورات؟ ..

ب.ب: أعتقد أن لدى اليد اليسرى إحساسا بأن اليد اليمنى لم تعد تعرف أبدا ، أو أدهى من ذلك ، لم تعد تريد أبدا حقا معرفة ما تفعله اليد اليسرى، وفي كل الأحوال فهي لا تريد أن تؤدي ثمن ذلك. وأحد الأسباب الكبرى لفقدان الأمل لدى كل هؤلاء الأفراد يكمن في أن الدولة انسحبت ، أو هي في طريقها للانسحاب ، من عدد من قطاعات الحياة الاجتماعية الملقاة على عاتقها والتي هي مكلفة بها: السكن العمومي ، المستشفيات العمومية . . . الخ ، وهو سلوك مدهش ومشين كثيرا على الأقل بالنسبة لبعضها عندما يتعلق الأمر بدولة اشتراكية يمكننا أن نتوقع منها على الأقل أن تشكل ضامنا للمصلحة العمومية كمصلحة مفتوحة وتخدم الجميع بدون تمييز . . . إن ما يوصف بكونه أزمة في السياسة ونقيضا للنزعة البرلمانية هو في الواقع فقدان الأمل اتجاه الدولة كمسؤولة عن المرفق العمومي.

كون الاشتراكيين لم يكونوا اشتراكيين كما يزعمون ، فهذا لن يغيظ أحدا : فهذه الأوقات عسيرة ، وهامش المناورة والفعل ليس واسعا، لكن ما يمكن أن يفاجئنا هو أنهم استطاعوا أن يساهموا إلى هذا الحد في إضعاف الشأن العمومي : أولا في الأفعال عبر جميع أنواع التدابير أو السياسات ( ولن أشير هنا إلا إلى وسائل الإعلام ) المستهدفة لتصفية مكتسبات الدولة الحامية Welfare State ، وبخاصة ربما في الخطاب العمومي من خلال امتداح المقاولة الخاصة( كما لو أنه لم يكن لدى روح المقاولة أي ميدان آخر غير ميدان المقاولة ) وتشجيع المصلحة الخاصة.في كل هذا شيء مما يفاجئ ، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين يتم إرسالهم إلى الخطوط الأمامية للقيام بالمهام المسماة " اجتماعية " وسد أشكال نقص منطق السوق الأكثر عدم قابلية للتحمل ، بدون تزويدهم بالوسائل التي تمكنهم حقا من إنجاز مهامهم. فكيف لا يمكن امتلاك الإحساس بأنك تعرضت للنصب أو يتم التنكر لك بشكل دائم ؟ ..

كان علينا أن نفهم منذ مدة طويلة أن ثورتهم تمتد إلى ما وراء مسائل الأجر ، حتى ولو أن الأجر المحصل عليه هو مؤشر لا اشتباه فيه للقيمة الممنوحة للعمل وللقائمين به ؛ فالازدراء لوظيفة ما يلاحظ أو من خلال المقابل المادي ( الأجر ) المخصص لها ، الأقل أو الأكثر تفاهة.

سؤال : هل تعتقدون أن هامش الفعل لدى الحكام السياسيين هو بهذا الحد من الضيق؟ ..

ب.ب: إنه دون شك أكثر تقلصا مما يراد لنا أن نعتقد ، ويظل هناك على كل حال مجال تمتلك فيه الحكومات كامل حرية التصرف : إنه مجال الرمزي.يتوجب أن تفرض نموذجية السلوك على جميع موظفي الدولة ، وخاصة عندما تحتمي هذه النموذجية بتقليد الإخلاص لمصالح الناس الأكثر خصاصة وفقرا. بيد أنه كيف لا يمكن التشكك عندما نرى فقط لا أمثلة الفساد ( التي هي أحيانا رسمية تماما من خلال مكافئات بعض كبار الموظفين ) أو خيانة المصلحة العامة ( والكلمة بدون شك جد قوية : وأنا أعني السلوك الأعوج ) وكل أشكال الاختلاس لممتلكات وأرباح وخدمات عمومية لغايات خاصة : المحسوبية ، المحاباة ( فلدى حكامنا كثير من " الأصدقاء الشخصيين " ) ، الزبونية ؟ ..

وأنا لا أتحدث عن الأرباح الرمزية ! فالتلفزة ساهمت بدون شك بنفس قدر مساهمة الرشاوي في انحطاط الفضيلة العمومية؛ لقد نادت ودفعت إلى واجهة المسرح السياسي والثقافي الأمامية مسألة : " هل رأيتني ؟ .. " مهمومة قبل كل شيء بضمان الظهور على الشاشة والتباهي بالذات في تناقض كلي مع قيم التضحية والتفاني المعتمة للمصلحة

المزيد


المثقف السلبي

مايو 29th, 2007 كتبها معروف نشر في , نصوص بيير بورديو

المثقف السلبي
 
بقلم : بيير بورديو
عن : نقيض ـ نار
(نصوص للمساهمة في مناهضة المد النيوليبرالي )
 
كل أولئك الذين كانوا هناك يوما بعد يوم خلال سنوات من أجل استقبال اللاجئين الجزائريين ، للاستماع إليهم ومساعدتهم على كتابة سيرهم الذاتية وممارسة المساعي لدى الوزارات ومصاحبتهم بالمحاكم ، وكتابة رسائل للمؤسسات الإدارية والذهاب في لجان تمثيلية لدى السلطات المسؤولة والمطالبة بتأشيرات ورخص الإقامة ، والذين تعبأوا منذ يونيه 1993 ،منذ عمليات الاغتيال الأولى لا فقط من أجل مد يد العون والحماية كلما كان ذلك ممكنا ،وإنما لمحاولة الاستخبار والإخبار ، للفهم ولإفهام الآخرين واقعا معقدا ، والذين صارعوا بدون هوادة عن طريق تدخلات أمام الرأي العام وندوات صحافية ومقالات بالجرائد من أجل انتزاع الأزمة الجزائرية من المنظورات الوحيدة الاتجاه ، كل هؤلاء المثقفين من كل البلدان الذين توحدوا من أجل مقاومة اللامبالاة أو الإكزينوفوبيا ، وللتذكير باحترام تعقد العالم من خلال حل أشكال الخلط المتداولة والمروجة من طرف البعض ،اكتشفوا فجأة أن كل مجهوداتهم يمكن أن تتحطم وتنمحي في زمنين وثلاث حركات .
مقالان كتبا في نهاية سفرة تحت الحراسة ، مبرمجة ومراقبة من قبل السلطات أو الجيش الجزائري سينشران في اليومية الفرنسية الكبرى ولو أنهما مفعمين بالسطحية والأخطاء وموجهين كليا نحو استنتاج تبسيطي مصنوع بحذق من أجل إرضاء الإشفاق السطح

المزيد


الشطط السلطوي المبرر بالعقل

مايو 29th, 2007 كتبها معروف نشر في , نصوص بيير بورديو

           الشطط السلطوي المبرر بالعقل
 
                  بـقـلـــم : بيير بورديو
       عــــن : نقيض ـ نار( نصوص لخدمة المقاومة المضادة للاجتياح النيوليبيرالي ) أبريل 98 .
  
[ . . . ] جاء من أعماق البلدان الإسلامية سؤال في غاية العمق يخص النزعة الكونية الغربية المغلوطة ؛ أي ما أدعوه النزعة الإمبريالية للكوني(1) . لقد كانت فرنسا تجسيدا بامتياز لهذه النزعة الإمبريالية التي استحثت هنا ، في هذا البلد بالذات ، نزعة شعبوية وطنية مرتبطة في نظري ارتباطا وثيقا بإسم هيردر . وإذا كان صحيحا أن نزعة كونية معينة ليست إلا نزعة وطنية تستدعي الكوني ( حقوق الإنسان . . الخ ) من أجل فرض ذاتها ، فسيصبح من الصعوبة بمكان أن نصف بالرجعية أي رد فعل أصولي النزعة ضدها . إن العقلانية العلموية ؛ أي عقلانية النماذج الرياضية التي تستوحي سياسة صندوق النقد الدولي FMI أو البنك العالمي ، سياسة Law firms كبريات الشركات المتعددة الجنسيات القانونية التي تفرض تقاليد القانون الأمريكي على مجموع البسيطة ، أي سياسة نظريات الفعل العقلاني . . الخ ، إن هذه العقلانية هي في نفس الآن تعبير وضمانة لعجرفة مونوبول غربي ، تقود إلى الفعل كما لو أن بعض الناس يمتلكون العقل بشكل مطلق ويحتكرونه ، ويمكنهم أن يجعلوا من أنفسهم ، كما نقول عادة ، دركيي العالم ؛ أي مالكين وممسكين معلن عنهم ذاتيا بمونوبول العنف المشروع ، القادر على وضع قوة الأسلحة في خدمة العدالة الكونية . إن العنف الإرهابي ، عبر لاعقلانية اليأس التي ينزرع بداخلها تقريبا دوما ، يحيل على العنف المتسم بالعطالة لدى السلطات التي تتحجج بالعقل . إن القهر الاقتصادي يتزيا غالبا بالأسباب القانونية ، وتغطي الإمبريالية ذاتها بمشروعية المؤسسات الدولية ، وعن طريق نفاق ضروب العقلنة ذاتها المخص

المزيد


من أجل أممية جديدة

مايو 28th, 2007 كتبها معروف نشر في , نصوص بيير بورديو

من أجل أممية جديدة*
بـقـلــــم : بيير بورديو
من كتابه: نقيض ـ نار
توجد شعوب أوربا اليوم في منعطف من منعطفات تاريخها ؛ وذلك لأن فتوحات قرون عدة من الصراعات الاجتماعية والثقافية والسياسية من أجل كرامة العمال هي الآن مهددة بشكل مباشر . إن الحركات التي يمكن معاينتها هنا وهنالك ، هنا ثم بعد ذلك هنالك في مجموع أوربا وحتى خارجها ، حتى كوريا ، هذه الحركات التي تتوالى بألمانيا وفرنسا ، باليونان وإيطاليا . . الخ ظاهريا بدون تنسيق حقيقي ، هي في مجموعها ثورات مناهضة لسياسة تتخذ صيغا متعددة حسب المجالات وحسب البلدان ، سياسة مستلهمة دائما ، على الأقل ، من نفس النزوع والتوجه ؛ ألا وهو تدمير المكتسبات الاجتماعية التي هي ، رغم كل ما يقال عنها ، من بين الفتوحات الأكثر سموا للحضارة ؛ فتوحات يتعلق الأمر بجعلها كونية وتمديدها على مستوى مجموع الكرة الأرضية وعولمتها بدل اتخاذ " العولمة " ومنافسة البلدان الأقل تقدما اقتصاديا واجتماعيا مبررا لوضعها موضع التساؤل وإعادة النظر فيها . ليس هناك شيء أكثر طبيعية ومشروعية من الدفاع عن هذه المكتسبات التي يحلو للبعض أن يقدمها كما لو كانت تمثل شكلا من أشكال نزعة المحافظة أو البدائية ، فهل يمكن أن ندين بتهمة المحافظة عملية الدفاع عن المكتسبات الاجتماعية التي أتحدث عنها والمتمثلة في الحق في الشغل والضمان الاجتماعي التي عانى منها ومن أجلها صارع رجال كثيرون ونساء كثيرات هي أيضا مكتسبات سامية وثمينة ، مكتسبات لا تستمر ، من جهة أخرى ، في الوجود والبقاء فقط في المتاحف والمكتبات والأكاديميات ، وإنما هي حية فاعلة في حياة الناس وتحكم وجودهم اليومي . وهذا هو السبب في أنني لا أستطيع منع نفسي من الإحساس بشيء ما شبيه بشعور الغضب إزاء أولئك الذين بوصفهم يجعلون من أنفسهم حلفاء للقوى الاقتصادية الأعتى عنفا ، يدينون أولئك الذين بدفاعهم عن مكتسباتهم الموصوفة أحيانا بكونها " امتيازات " ، يدافعون عن / ويحمون مكتسبات كل الرجال والنساء بأوربا وخارجها .
إن النداء الصادر منذ بضعة أشهر عن السيد تيتماير لم يتم فهمه غالبا بشكل جيد ؛ وذلك لأنه تم فهمه باعتباره جوابا عن سؤال موضوع بشكل سيئ ، ولكونه وضع بالتحديد في سياق منطق معين هو المنطق النيوليبرالي الذي يطالب به السيد تيتماير . ضمن هذا المنظور يتقرر بأن الاندماج النقدي المرموز له من خلال وضع عملة الأورو هو الخطوة الأولى الإجبارية والشرط الضروري للاندماج السياسي بأوربا . وبعبارات أخرى يتم التشبث بأن الاندماج السياسي بأوربا سينحدر ضرورة وبشكل لا مناص منه من الاندماج الاقتصادي ، وهو ما يلزم عنه أن الاعتراض على سياسة الاندماج النقدي وعلى المنافحين عنها ، كالسيد تيتماير ، هو اعتراض صارخ على الاندماج السياسي . وباختصار ، فإن معناه هو أن تكون " ضد أوربا " .
بيد أن الأمر لا يتعلق بذلك أبدا ؛ فما هو موضوع السؤال هو دور الدولة ( أدوار الدول الوطنية الموجودة حاليا أو دور الدولة الأوربية التي يتعلق الأمر بإحداثها ) ، وبالخصوص في مجال حماية الحقوق الاجتماعية ؛ أي دور الدولة الاجتماعية القادرة وحدها على التصدي للميكانيزمات المتصلبة للاقتصاد المتروك لذاته . يمكن أن يكون المرء ضد أوربا كما هي في تصور السيد تيتماير ستستخدم كامتداد للأسواق المالية مع بقائه في نفس الآن بجانب أوربا ستشكل ، بفعل سياسة متوافق حولها ، عائقا في وجه عنف هذه الأسواق الذي لا يعرف حدودا . لكن لا شيء يمنحنا الأمل في سياسة كهاته لأوربا البنكيين التي يتم تهييئها وإعدادها لنا ؛ فنحن لا يمكن أن ننتظر من الاندماج النقدي أن يضمن اندماجا اجتماعيا ، بل العكس تماما : فنحن نعرف بالفعل بأن الدول التي تريد الحفاظ على تنافسيتها في حضن منطقة الأورو على حساب شركائها لن يكون لها ملجأ آخر غير تخفيض التكاليف الأجرية بالإنقاص من التكاليف الاجتماعية ؛ فالإغراق الاجتماعي dumping socialوالأجري ، و " إحالة سوق الشغل مرنا " ستكون هي الملجأ الأخير المتروك للدول المفرغة من إمكانية اللعب على معدلات الصرف . وسيأتي كي ينضاف لتأثير هذه الميكانيزمات بدون شك ضغط " السلطات النقدية " كالبونديسبانك ومسيريه المتسرعين دوما للوعظ والنصح ب " التقشف في الأجور " . وحدها دولة اجتماعية أوربية فقط ستكون قادرة على عرقلة الفعل المضاد للاندماج الذي هو سمة للاقتصاد النقدي . غير أن السيد تيتماير والنيوليبراليين لا يريدون لا دولا وطنية يرون فيها مجرد عوائق للاشتغال الحر للاقتصاد ، و لا ، بالأحرى ، دولة فوق ـ وطنية يودون تحويلها إلى مجرد بنك . وواضح أنه إن كانوا يريدون التخلص من الدول الوطنية ( أو من مجلس وزراء دول المجموعة الأوربية ) بإفراغها من سلطاتها ، فليس ذلك بداهة من أجل خلق دولة فوق ـ وطنية من شانها أن تفرض عليهم وبسلطة متنامية الإكراهات والإلزامات في ميدان السياسة الاجتماعية خاصة ، تلك التي يريدون التحرر منها بأي ثمن .
ويمكن أن يكون المرء معاديا أيضا للاندماج الأوربي المؤسس على العملة الموحدة وحدها بدون أن يكون أبدا معاديا للاندماج السياسي لأوربا ، بل على العكس تماما بالدعوة لخلق دولة أوربية قادرة على السيطرة على البنك الأوربي ، وبتدقيق أكبر ، قادرة على السيطرة عن طريق الاستباق ، على التأثيرات الاجتماعية للاتحاد المقزم إلى بعده النقدي الصرف حسب الفلسفة النيوليبرالية التي تنوي العمل على محو كل آثار الدولة ( الاجتماعية ) باعتبارها عوائق تقف في وجه الاشتغال المتناغم للأسواق .
أكيد أن المنافسة الدولية ( خاصة في ما بين بلدان أور

المزيد


أفكار السيد تيتماير

مايو 28th, 2007 كتبها معروف نشر في , نصوص بيير بورديو

أفكار السيد تيتماير
             بقلم : بيير بورديو
             عن : نقيض ـ نار
لم أرد أن أكون متواجدا هنا للمساهمة ب " دفعة روحية " ؛ فقطع وشائج التماسك الاجتماعي الذي تطالب الثقافة بتجديدها هي النتيجة المباشرة لسياسة اقتصادية معينة ، وينتظر غالبا من السوسيولوجيين إصلاح الأقداح التي كسرها رجال الاقتصاد . وإذن ، بدل أن أكتفي باقتراح ما ندعوه بالمستشفيات العلاجات المهدئة والملطفة أردت أن أحاول وضع سؤال المساهمة التي يقدمها الطبيب للمرض . لقد أمكن بالفعل أن تكون " الأمراض " الاجتماعية التي نأسف ونحزن لها ، في جانبها الأعظم ، من إنتاج الطب الذي هو عنيف غالبا ، والذي نطبقه على أولئك الذين ننوي معالجتهم .
ولهذا ، وبعد أن قرأت بالطائرة التي كانت تقلني من أثينا نحو زوريخ استجوابا لرئيس البنك الألماني الذي تم تقديمه بوصفه " أسقف الدوتش مارك الكبير " لاأقل ولا أكثر ، أريد هنا بهذا المركز المعروف بتقاليده في مجال التأويل الأدبي ، الانكباب على ضرب من التحليل الهيرمينوطيقي لنص تجدونه بكامله في صحيفة لوموند ليوم 17 أكتوبر 1996 .
هاك ما يقوله " الأسقف الكبير للدوتش مارك " : " إن الرهان اليوم يتمثل في خلق الشروط الكفيلة بإحداث تنمية قابلة للدوام ولضمان ثقة المستثمرين . يتوجب إذن ضبط الميزانيات العمومية " ــ أي ــ ، وسيكون ذلك أكثر صراحة في الألفاظ الموالية ــ إقبار الدولة في أسرع وقت ممكن ، ومن بين أشياء أخرى أيضا ، إقبار سياساتها الاجتماعية والثقافية الباهظة الثمن من أجل طمأنة المستثمرين الذين يحبون أكثر أن يتكلفوا هم أنفسهم باستثماراتهم الثقافية . إنني متأكد من أنهم يحبون كلهم الموسيقى الرومانتيكية والرسم التعبيري ، وأنا مقتنع بدون أن أعرف أي شيء عن رئيس بنك ألمانيا بأنه في ساعاته الضائعة ، كما هو حال مدير بنكنا الوطني ، يقرأ الشعر ويمارس رعاية للآداب والعلوم والفنون . أعود من جديد للموضوع فأقول إن معنى أنه " تتوجب السيطرة على الميزانيات العمومية ، تخفيظ مستوى الضرائب والرسوم إلى الحد الذي يمكن من احتمالها على المدى البعيد " هو : تخفيظ مستوى الرسوم والضرائب المفروضة على المستثمرين إلى حد إحالتها محتملة على المدى البعيد من طرف هؤلاء المستثمرين أنفسهم ، وبذلك يتم تحاشي الفت في عضدهم وتشجيعهم على تحويل استثماراتهم للخارج . أستمر في قراتي : " إصلاح نظام الحماية الاجتماعية " معناه إقبار le walfare state الدولة الاجتماعية وسياساتها المتعلقة بالحماية الاجتماعية المعدة بإتقان لتدمير ثقة المستثمرين وإشعال حذرهم المشروع وهم المتيقنون من أنها مكتسباتهم الاقتصادية بالفعل ، ــ يتحدث عن مكتسبات اجتماعية ، ويمكن الحديث عن مكتسبات اقتصادية ــ ، أعني بذلك أن رساميلهم ليست متوافقة مع المكتسبات الاجتماعية للعمال ، وأنه يجب أن تكون هذه المكتسبات الاقتصادية بداهة محمية بأي ثمن ، وذلك بتدمير المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية الضئيلة للغالبية العظمى من مواطني أوربا المستقبلية ، أولئك الذين تمت الإشارة إليهم كثيرا في ديسمبر 1995 بوصفهم مرفهين ومحظوظين .
السيد هانس تيتماير مقتنع بأن مكتسبات المستثمرين الاجتماعية ؛ وأعني بذلك مكتسباتهم الاقتصادية لن تضمن البقاء أمام ديمومة لنظام الحماية الاجتماعية . إن هذا النظام إذن هو ما يجب إصلاحه باستعجال ؛ وذلك لأن مكتسبات المستثمرين الاقتصادية لا يمكن أن تنتظر أكثر . وللبرهنة لكم على أنني لا أبالغ ، فإنني أستمر في قراءة السيد هانس تيتماير ؛ وهو مفكر من أعلى مستوى ، يندرج في إطار المناصرين الكبار للفلسفة المثالية الألمانية : " تتوجب إذن السيطرة على الميزانيات العمومية وتخفيظ مستوى الرسوم والضرائب إلى الحد الذي يجعلها محتملة على المدى الطويل ، إصلاح نظام الحماية الاجتماعية ، تقويض وهدم ضروب الصرامة على مستوى سوق الشغل بالشكل الذي يجعل من غير الممكن من جديد تحقيق مرحلة جديدة من النمو إلا إذا ما نحن بذلنا مجهودا من أجل ذلك " ــ إن " نحن " هذه عجيبة ــ " إلا إذا ما نحن بذلنا مجهودا مؤثرا على السوق من أجل إحالته مرنا " ، وقد تم ذلك . لقد تم إطلاق الكلمات الكبرى والسيد م. هانس تيتماير ، في إطار التقليد الكبير للمذهب المثالي اللماني ، يعطينا مثالا رائعا عن بلاغة التلطيف اللفظية euphémisme الرائجة اليوم بالأسواق المالية : فبلاغة التلطيف اللفظي لا محيد عنها كي تستحث بشكل

المزيد


الليبرالية الجديدة ، يوتوبيا ( في طريقها للتحقق ) لاستغلال بدون حدود

مايو 28th, 2007 كتبها معروف نشر في , نصوص بيير بورديو

                         

الليبرالية الجديدة ، يوتوبيا (في طريقها للتحقق )

لاستغلال بدون حدود

 

   بـقلم : بيير بورديو

                             عـــن : نقيض ـ نار [ نصوص للمساهمة في مناهضة المد النيوليبرالي ]

                        ماي 98 .

هل عالم الاقتصاد حقيقة ، كما يريده الخطاب المهيمن ، نظام خالص ومتسم بالكمال ، مروج باقتدار تام لمنطق نتائجه المتوقعة وعاجل في كبث كل أشكال النقص والخصاص عن طريق التدابير والعقوبات التي يفرضها سواء بطريقة أوتوماتيكية أو ، بشكل أكثر استثنائية ، عن طريق ذراعه المسلحة المتمثلة في الـ FMI أو الـ OCDE والسياسات القاسية التي يفرضانها ، والمتمثلة في تخفيض كلفة اليد العاملة والإنقاص من المصاريف العمومية وجعل الشغل مرنا ؟ .. ماذا لو لم يكن في الواقع إلا التطبيق العملي ليوتوبيا معينة ؛ فالليبرالية الجديدة تحولت أيضا إلى برنامج سياسي ، إلا أنها يوتوبيا توصلت إلى الاعتقاد ، بمساعدة النظرية الاقتصادية التي تعلن عنها وتطالب بها ، بأنها وصف علمي للواقع ؟ ..

إن هذه النظرية الواصية هي محض خيال رياضي مؤسس من الأصل على تجريد تام ( لا يقبل الاختزال كما يريد أن يعتقد ذلك الاقتصاديون المنافحون عن حق التجريد الذي لا مناص منه إلى التأثير المؤسس لكل مشروع علمي ، ولبناء الشيء ( الموضوع ) كاستيعاب أو إدراك اختياري مقصود للواقعي ) : ذاك الذي يتمثل باسم تصور ضيق كما هو صارم للعقلنة المشبهة تماما بالعقلنة الفردية ، في وضع الشروط الاقتصادية والاجتماعية للإجراءات العقلانية بين قوسين ( وبالخصوص الإجراء الحسابي المطبق على الأشياء الاقتصادية الذي هو في أساس المنظور الليبرالي الجديد ) وللبنيات الاقتصادية والاجتماعية التي هي شرط ممارسته ، أو بدقة أكبر ، شرط إنتاج وإعادة إنتاج إجراءاته وبنياته . يكفي أن نفكر ، حتى نعطي صورة عن مقدار التغييب والإهمال ، في نظام التعليم وحده الذي لم يؤخذ في الحسبان أبدا بوصفه كذلك ، في الوقت الذي يلعب فيه دورا محددا وأساسيا سواء في مجال إنتاج الخيرات والخدمات أو في مجال إنتاج المنتجين . من هذا الضرب من الخطيئة الأصلية ، المدونة في الأسطورة الوالراسية لـ " النظرية الخالصة " ، تنحدر كل نواقص وعيوب المبحث الاقتصادي و العناد والتصلب القدري الذي بفعله يتشبث بالتعارض التعسفي الذي يوجده بفعل مجرد وجوده وتواجده في ما بين المنطق الاقتصادي الخالص المؤسس على المنافسة والحامل للفعالية ، والمنطق الاجتماعي المخضع لقاعدة الإنصاف .

معنى هذا أن لدى هذه " النظرية " المفرغة من محتواها الاجتماعي منذ الأصل ، وكذا من بعدها التاريخي اليوم أكثر من أي وقت مضى ، وسائل تحويل ما تريده وترغب فيه إلى حقيقة وقابلا للتحقق تجريبيا . وبالفعل ، فالخطاب الليبرالي الجديد ليس خطابا كالخطابات الأخرى ؛ فعلى طريقة الخطاب التحليلي ـ النفسي في المعزل l’asile حسب إرفينغ گوفمان ، هو " خطاب مثين " ليس بهذه القوة وصعوبة المقاومة إلا لأنه يحوز كل قوى عالم من موازين القوى التي تسهم في جعله كما هو ، وبخاصة من خلال توجيه الاختيارات الاقتصادية لأولئك الذين يهيمنون على العلاقات الاقتصادية ، ومن ثمة بإضافة قوته الذاتية المحض رمزية لموازين القوى تلك (1) . وباسم هذا البرنامج العلمي للمعرفة المحول إلى برنامج سياسي للفعل يتم إنجاز " عمل سياسي " هائل وشاسع (مستنكر ما دام ذا مظهر سلبي خالص ) يستهدف خلق شروط تحقيق واشتغال " النظرية " ؛ برنامج تدمير منهجي للجماعات ( فالاقتصاد الكلاسيكي الجديد لا يريد أن يعترف إلا بالأفراد سواء تعلق الأمر بمقاولات أو نقابات أو أسر ) .

إن التحرك نحو يوتوبيا ليبرالية جديدة لسوق خالصة وكاملة ، والذي أضحى ممكنا بفعل سياسة التحرير المالي ، يُنجز عبر النشاط المحول ، ويجب أن نقول ، عبر النشاط " التدميري " لكل الإجراءات السياسية ( والتي يعتبر l’AMI [ الاتفاق المتعدد الأطراف حول الاستثمار ] أقربها زمنيا ، وهو المخصص والموجه لحماية المقاولات الأجنبية واستثماراتها من الدول الوطنية ) المستهدفة لأن تضع موضع التساؤل كل البنيات الجماعية الكفيلة بوضع عائق أمام منطق السوق الخالصة ، والمتمثلة في : " أمة " لم يتوقف هامش تحركها عن التناقص ، وعلى سبيل المثال " فرق عمل " مع فردنة الأجور والمناصب تبعا للكفاءة الفردية وتشتت العمال الناجم عنه ، " جماعات الدفاع " عن حقوق العمال ، نقابات ، جمعيات ، تعاونيات ؛ " أسر " حتى ، تلك التي تفقد جراء تشكيل الأسواق حسب فئات الأعمار جزءا من سيطرتها على الاستهلاك . ولكون البرنامج الليبرالي الجديد يمستمد قوته الاجتماعية من القوة السياسية والاقتصادية لأولئك الذين يعبر عن مصالحهم ؛ مساهمين ، فاعلين ماليين ، صناعيين ، رجال سياسة محافظين أو اجتماعيين ديمقراطيين متحولين إلى الاشتغالات المطمئنة لدعه يعمل ؛ كبار موظفي المالية الأكثر تهالكا بنفس القدر لفرض سياسة مشيدة بثمن النتائج احتمالا ، فإن هذا البرنامج ينحو شموليا أو كليا نحو تغليب القطيعة في ما بين الاقتصاد والحقائق الاجتماعية ، وكذلك نحو البناء في الواقع لنظام اقتصادي مطابق للتوصيف النظري ، أي نوعا من آلة منطقية تفرض ذاتها كما لو كانت سلسلة من الإكراهات التي تقود الفاعلين الاقتصاديين رغما عنهم .

إن عولمة الأسواق المالية منضافة إلى تقدم تقنيات الإعلام تضمن حركية غير مسبوقة للرساميل وتوفر للمستثمرين ( أو المساهمين ) المهمومين بمصالحهم الفورية ، أي بمردودية استثماراتهم على المدى القصير ، إمكانية المقارنة في أية لحظة لمردوديات كبريات المقاولات ومعاقبة حالات الفشل بالتالي بالعلاقة معها . والمقاولات ذاتها الرازحة تحت تهديد دائم كهذا مطالبة بالتكيف والتلاؤم بطريقة أكثر فأكثر سرعة مع مطالب وإكراهات السوق ، وذلك تحت طائلة " فقدان ثقة الأسواق كما يقال عادة " ، وفي نفس الآن فقدان دعم المساهمين الذين هم قادرون أكثر فأكثر بوصفهم مهمومين بالحصول على مردودية في أقصر مدة ، على فرض إرادتهم على " المسيرين " وإملاء المعايير عبر التوجيهات المالية ، وعلى توجيه سياساتهم في مجال التشغيل والتوظيف والأجور . هكذا تتشيد سيادة المرونة المطلقة من خلال التوظيف بعقود ذات مدى زمني محدد حيث فترات الإنابة و " المخططات الاجتماعية " المتكررة وإعمال المنافسة في حضن المقاولات ذاتها  في ما بين الفروع المستقلة ذاتيا ، وفي ما بين فرق العمل المكرهة على أن تكون قابلة لممارسة أي عمل متعدد المهام ، وأخيرا في ما بين الأفراد من خلال فردنة العلاقة الأجرية : تحديد أهداف فردية ؛ وإنجاز مقابلات فردية للتقييم ؛ وزيادة في الأجور حسب الأفراد أو الحصول على علاوات تبعا للكفاءة والاستحقاق الفردي ؛ أوضاع شغل مفردنة ؛ واستراتيجيات " للتحسيس بالمسؤولية " تنحو نحو ضمان الاستقلال الذاتي لبعض الأطر الذين ولو أنهم مجرد مأجورين مندرجين ضمن تبعية تراتبية قوية يعتبرون في نفس الآن مسؤولين عن مبيعاتهم ومنتجاتهم و فروعهم ومحلاتهم التجارية . . الخ على طريقة " المستغلين " ، وهو مطلب من مطالب " الضبط الذاتي " يوسع " توريط " المأجورين وفق تقنيات " التدبير الإسهامي " في ما وراء مهام الأطر بكثير ، بكثير من تقنيات الإخضاع والقهر العقلانية التي تساهم وهي تفرض الاستثمار أو الاستغلال الزائد في العمل وليس فقط في مناصب المسؤولية والعمل في آجال مستعجلة ، في إضعاف أو اجتثاث معالم ومرجعيات وأشكال التضامن الجماعية (2) .

إن التأسيس العملي لعالم دارويني يجد نوابض انخراطه في المهمة والمقاولة في انعدام الأمان والمعاناة والقلق  (3) لا يمكنه بدون شك أن ينجح بشكل تام إلا إذا كان قد توفر له تواطؤ أشكال التطبع على الهشاشة التي يولدها انعدام الأمان وتواجد " جيش احتياطي من اليد العاملة المطوعة والخانعة بفعل الهشاشة " وبفعل التهديد الدائم بالبطالة على كل مستويات التراتبية ، حتى العليا منها من بين الأطر خاصة . إن الأساس الأخير لكل هذا النظام الاقتصادي الموضوع تحت يافطة الدعوة لحرية الأفراد يتمثل بالفعل في " العنف البنيوي " للبطالة وللهشاشة و " الخوف " الناجم عن التهديد بالتسريح : فشرط الأداء " المتناغم " للنموذج الميكرو ـ اقتصادي الفرداني ومبدأ " التحفيز " الفردي للعمل يقيم في نها

المزيد


أسطورة "العولمة " والدولة الاجتماعية الأوربية

مايو 28th, 2007 كتبها معروف نشر في , نصوص بيير بورديو

أسطورة " العولمة " والدولة الاجتماعية الأوربية *

                          بقلم  : بيير بورديو                

        عن كتاب : نقيض ـ نار                

نسمع اليوم كلاما يقال في كل مكان ، ــ وذاك هو ما يشكل قوة هذا الخطاب المهيمن ــ ، مفاده أن لا شيء يمكن أن يقف موقف المعارض للمنظور النيوليبرالي الذي نجح في أن يقدم نفسه كمنظور بديهي لا بديل له أو عنه . وإذا كان لهذا المنظور كل هذا الانتشار ، فلأن هنالك مجهودا  بكامله للغرس والترسيخ الرمزي ساهم فيه بفعالية كل من الصحافيين أو المواطنين العاديين ، وخاصة وبنشاط ، عدد معين من المثقفين . ضد هذه السيطرة المفروضة دوما ، المخاتلة والمخادعة ، والتي تنتج عن طريق التشرب والاختراق اعتقادا حقيقيا ، يبدو لي أن للباحثين دورا يلعبونه في هذا الإطار ؛ فهم يستطيعون أولا تحليل كيفية إنتاج وتغلغل هذا الخطاب : وهنالك انشغال متزايد أكثر فأكثر بإنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا بالوصف  الدقيق للإجراءات التي يتم وفقها إنتاج وترويج هذه النظرة للعالم ، وعن طريق سلسلة من التحاليل التي تنسحب في نفس الآن على النصوص والمجلات التي تم نشر هذا الخطاب وفرضه بها رويدا رويدا باعتباره مشروعا ، وكذا عبر الخصائص المميزة لكتابها واللقاءات التي يجتمع من خلالها هؤلاء الأخيرون من أجل إنتاجه . . الخ ، فإن هذه الأشغال أوضحت ، بإنجلترا وفرنسا ، كيف تم إنجاز عمل دائم أشرك لهذا الغرض مثقفين ، صحافيين ورجال أعمال ، من أجل فرض منظور نيو ليبرالي يبدو كما لو أنه ينطلق من ذاته ، منظور يُلبِس من حيث الجوهر العقلنات الاقتصادية الافتراضات الأكثر كلاسيكية للفكر المحافظ لكل الأزمنة ولكل البلدان . إنني أعني بهذا دراسة حول دور مجلة Preuves تم ترويجها ، وهي الممولة من طرف الـ CIA ، من طرف كبار المثقفين الفرنسيين ، والتي خلال ما بين 20 إلى 25 سنة ــ إذ يحتاج الأمر إلى وقت حتى تتحول بعض الأشياء الخاطئة إلى أشياء سليمة ــ أنتجت بدون هوادة ، وضد التيار في البداية ، أفكارا تحولت رويدا رويدا إلى أفكار واضحة (1) . ونفس الشيء حدث بإنجلترا ؛ فالنزعة التاتشرية لم تعرف ميلادها مع السيدة تاتشر ، بل تم إعدادها منذ مدة طويلة من طرف جماعات من المثقفين الذين كانت لديهم ، في غالبيتهم ، منابر بكبريات الجرائد (2) . وأول مساهمة كانت ممكنة للباحثين تمثلت في العمل على نشر هذه التحليلات بصيغ يمكن للجميع الوصول إليها والاطلاع عليهــا .

إن عملية فرض هذه الأفكار التي ابتدأت منذ مدة طويلة لا زالت مستمرة إلى اليوم ؛ فيمكننا أن نلاحظ بانتظام في كل الجرائد الفرنسية ، بشكل متعاقب كل بضعة أيام ، مع بعض التنويعات المرتبطة بموقف كل جريدة على حدة في عالم الجرائــد ، وكما ولو أن الأمر يتعلق بمعجزة ، معاينات وإفادات حول الوضعية الاقتصادية المبهرة للولايات المتحدة وإنجلتـــرا . هذا الضرب من القطرة ـ قطرة الرمزي الذي تساهم فيه النشرات المكتوبة والمتلفزة بصورة كثيفة ــ بشكل لاشعوري في الجزء الأعظم منه لأن غالبية الناس الذين يكررون معطياته يقومون بذلك بشكل برئ ــ يُحدث تأثيرات عميقة الغور ، وهكذا ، وفي نهاية المطاف تقدم الليبرالية الجديدة ذاتها تحت يافطة ما لا يمكن تحاشيه وما ليس منه بد .

ما يتعلق الأمر به هنا هو مجموع من الافتراضات يتم فرضها باعتبارها تنطلق من ذاتها : حيث يتم الاعتراف بأن النمو الأقصى ، وإذن الإنتاجية والمنافسة ، هما الحد النهائي والأوحد للنشاطات البشرية ؛ الحد الذي لا يمكن عنده مقاومة القوى الاقتصادية ، أو أيضا ، وهو افتراض يؤسس كل افتراضات الاقتصاد ، عنده يتم إحداث قطيعة راديكالية في ما بين ما هو اقتصادي وما هو اجتماعي ، هذا المتروك على الهامش والمتخلى عنه للسوسيولوجيين كشكل من أشكال البقايا والمهملات . افتراض مهم آخر يتمثل في المعجم اللغوي الذي يجثم علينا ، القاموس الذي نمتصه حالما نفتح جريدة ما ، حالما نستمع لمحطة إذاعية ، والمصنوع في جوهره من نزعة تلطيف الكلام .

إنني للأسف لا أمتلك مثالا يونانيا ، لكنني أعتقد بأنكم لن تجدوا عناء في العثور عليه . على سبيل المثال بفرنسا لم نعد ننطق أبدا كلمة " الباطرونا " ، إذ نقول بدل ذلك " القوى الحية للأمة " ؛ و لا نتحدث عن عمليات طرد من العمل ، وإنما عن " dégraissage " إزالة الشحم والترهل باستخدام مماثلة رياضية ( فجسم قوي صلد لا بد أن يكون نحيفا ) . وللإعلان عن أن مقاولة ستوظف 2000 شخصا فإن الحديث سيدور عن " برنامج اجتماعي جرئ تنجزه شركة ألكاتيل " . هناك أيضا لعبة بكاملها من المعاني الضمنية والترابطات في ما بين كلمات مثل مرونة ، ليونة وطواعية وخروج عن المألوف التي تنحو نحو جعلنا نعتقد أن الرسالة الليبرالية الجديدة رسالة للتحرير كونية النزعة  .

يتوجب في ما يبدو لي أن ندافع عن أنفسنا ضد هذه الدوكسا بإخضاعها للتحليل ومحاولة فهم ميكانيزماتها التي أنتجت وفرضت بها . لكن ذلك لا يكفي ولو أنه في غاية الأهمية ، إلا انه يمكننا أن نقابلها بعدد معين من المعاينات الأمبريقية . في حالة فرنسا ، شرعت الدولة في التخلي عن عدد معين من ميادين العمل الاجتماعي . النتيجة هي كم هائل من الآلام من جميع الأصناف والألوان لم يمسس فقط الأشخاص الذين ألم بهم الفقر المدقع وحدهم . ويمكننا أن نبين أن في جذر المشاكل الملاحظة في ضواحي المدن الكبرى سياسة ليبرالية جديدة للسكن أحدثت بتطبيقها في السبعينيات ( المساعدة " للفرد " ) ميزا اجتماعيا ببروليتاريته السفلى من جهة ، المكونة في جانب هام منها من المهاجرين ، والتي ظلت في كبريات المجموعات جماعية ، ومن جهة أخرى بالعمال الدائمين الحائزين لأجر قار والبورجوازية الصغرى اللذين يشكلان مكونا من مكونات هذه الطبقة في منازل فردية صغيرة اشتروها بقروض أحدثت لديهم إكراهات كبرى . إن هذه القطيعة الاجتماعية تم إقرارها بواسطة إجراء سياسي .

بالولايات المتحدة نشهد ازدواجية للدولة ، دولة تؤمن من جهة ضمانات اجتماعية ، لكن بالنسبة للمحظوظين المطمئنين كفاية بتأمينات وضمانات ، ودولة قمعية بوليسية بالنسبة للشعب . إن ولاية كاليفورنيا ، وهي إحدى أغنى ولايات الولايات المتحدة ــ وقد اعتبرت في لحظة معينة من قبل بعض السوسيولوجيين الفرنسيين جنة لكل الحريات ــ وأكثرها محافظة أيضــــا ، ولاية متمتعة بجامعة هي بدون شك من أكبر الجامعات في العالم ، وميزانية السجون بها هي أعلى  منذ سنة 1994 من ميزانية كل الجامعات مجتمعة . في هذه الولاية لم يعرف سود غيتو شيكاغو من الدولة إلا رجل الأمن ، القاضي ، حارس السجن و le parol officier  الناطق الرسمي ؛ أي ضابط تنفيذ العقوبات الذي يتوجب الحضور أمامه دائما بانتظام تحت طائلة العودة إلى السجن . إننا هنا بحضرة ضرب من ضروب إنجاز حلم المهيمنين ؛ دولة تتقلص كما أوضح ذلك لويك فاكانت أكثر فأكثر ويتم اختزالها إلى حد ممارسة وظيفتها البوليسية وحدها .

إن ما نراه بالولايات المتحدة وما ترتسم خطوطه الكبرى بأوربا هو سيرورة الانحطاط . عندما ندرس ميلاد الدولة في المجتمعات التي تشكلت لديها قبل غيرها كفرنسا وإنجلترا نلاحظ أولا تمركزا للقوة الفيزيائية وتمركزا للقوة الاقتصادية ـ الإثنان ينطلقان كزوج ؛ فلابد من المال للقدرة على خوض الحروب وللقدرة على ممارسة المهمة البوليسية . . الخ ، و لا بد من وجود قوة البوليس للقدرة على استخلاص الأموال . ثم لدينا تمركز للرأسمال الثقافي ، ثم تمركز للسلطة . إن هذه الدولة بالإيقاع الذي تتقدم به تحوز الاستقلال الذاتي وتضحي جزئيا مستقلة عن القوة الاجتماعية والاقتصادية المهيمنة . وتشرع الدولة في التحول نحو أن تصبح قادرة على تشويه إرادات المهيمن عليهم وتأويلها والإيحاء بالسياسات وإملائها أحيانا .

إن سيرورة نكوص الدولة تجعلنا نرى أن مقاومة عقيدة وسياسة الليبراليين الجدد هي أقوى بكثير في البلدان التي كانت فيها التقاليد الدولتية أقوى وأعمق ، وهذا يفسر بكون الدولة وجدت بصيغتين أو شكلين : وجدت في الواقع الموضوعي على صورة مجموع من المؤسسات كمؤسسات التنظيم والتقنين والمكاتب والوزارات . . الخ ، ووجدت في الأذهان أيضا ، فمثلا  في حضن البيروقراطية الفرنسية غداة إصلاح تمويل السكن صارعت الوزارات الاجتماعية الوزارات المالية للدفاع عن السياسة الاجتماعية في مجال السكن . لقد كانت لهؤلاء الموظفين مصلحة في الدفاع عن وزاراتهم ومواقعهم ، ولكن أيضا لأنهم كانوا يؤمنون بها ولأنهم كانوا يدافعون عن قناعاتهم . إن الدولة في كل البلدان هي في جانب معين العلامة الواقعية للفتوحات الاجتماعية ، إن وزارة الشغل هي على سبيل المثال فتح اجتماعي تحول إلى واقع ، حتى إذا كان يمكن أن تكون في بعض الظروف والملابسات أيضا أداة قمع . والدولة توجد أيضا في أذهان الشغالين على صورة الحق الذاتي ( " هذا حقي " ، " لا يمكن أن تعاملوني هكذا " ) ، على صورة التشبث ب " المكتسبات الاجتماعية " . . الخ . مثلا ، أحد أكبر الاختلافات في ما بين فرنسا وإنجلترا يتمثل في كون الإنجليز المتتشرين ( نسبة للسيدة تاتشر ) اكتشفوا أنهم لم يقاوموا بالشكل الذي كان بإمكانهم أن يقاوموا في جزئهم الأعظم لأن عقدة الشغل كانت عقدة ودية Common Low وليس كما هو الشأن في فرنسا اتفاقا مضمونا من طرف الدولة . واليوم بشكل مفارق ، وفي اللحظة التي يتم فيها بأوربا القارية مدح النموذج الإنجليزي ، في اللحظة ذاتها ينظر الشغالون الإنجليز إلى القارة فيكتشفون أنها توفر أشياء لا يوفرها لهم تقليدهم العمالي ، أي حق وقانون الشغل .

إن الدولة في الحقيقة واقع ملتبس . ولكن يمكن الاكتفاء بالقول إنها أداة في خدمة المهيمِنين . ليست الدولة بدون شك محايدة كليا ، مستقلة كليا عن المهيمنين ، لكن لها استقلالا ذاتيا هو من الكبر بقدر ما هو عريق ، بقدر ما أنها أقوى وأنها سجلت مدوِّنةً في بنياتها فتوحات اجتماعية أكثر أهمية . . الخ . إنها فضاء الصراعات ( على سبيل المثال في ما بين الوزارات المالية والوزارات المستهلِكة المكلفة بالمشاكل الاجتماعية ) . ولمقاومة انحطاط الدولة ؛ أي مقاومة نكوص الدولة وتراجعها صوب أن تصير دولة عقابية مكلفة بالقمع ومضحية رويدا رويدا بالوظائف الاجتماعية ؛ التعليم ، الصحة ، المساعدة . . الخ ، تستطيع الحركة الاجتماعية أن تجد دعما من لدن المسؤولين عن الملفات الاجتماعية المكلفين بتقديم المساعدة للعاطلين لمدة طويلة ، الذين يقلقون من القطائع التي تلحق التماسك الاجتماعي ومن البطالة . . الخ والذين يعترضون على رجال المال الذين لا يريدون الاعتراف إلا بإكراهات " الشمولية " ومكانة فرنسا في العالم .

لقد تحدثت عن " الشمولية " ، وهي أسطورة بالمعنى التام للكلمة ، خطاب قوي ، " فكرة ـ قوة " ، فكرة لها قوة اجتماعيــة ، فكرة استطاعت جعل الناس يؤمنون بها ؛ إنها السلاح المركزي في الصراع ضد مكتسبات Welfar State : فالشغالون الأوربيون ، كما يقال ، عليهم أن يعادوا الشغالين الأقل حظوة في بقية مجموع العالم ، ويُقدَّمُ للشغالين في هذا الإطار مثال البلدان التي يعتبر الأجر الأدنى بها غير موجود إطلاقا ، وحيث يشتغل العمال 12 ساعة يوميا مقابل أجور تتراوح ما بين ¼ و 1/15 من الأجر الأوربي ، وحيث لا وجود للنقابات ، وحيث يتم تشغيل الأطفال . . الخ . وباسم مثال أو نموذج كهذا يتم فرض المرونة ، وهي كلمة /مفتاح آخر لليبرالية ؛ أي العمل الليلي والعمل في نهاية الأسبوع ( أيام العطل ) وساعات العمل غير المنتظمة ، وكثير من الأشياء المرسومة منذ الأبد في أحلام الباطرونا . وبشكل عام فإن الليبرالية الجديدة تستعيد من خلال المظاهر الخارجية لرسالة أكثر تأنقا وأكثر حداثة أكثر الأفكار قدما لأقدم أصناف الباطرونا ، ( وقد عرضت مجلات بالولايات المتحدة لائحة هؤلاء الباطرونات المثيرين الذين صُنِّفوا ورتبوا ، كما هو شأن أجورهم بالدولار ، تبعا لعدد الأشخاص الذين كانت لديهم شجاعة تسريحهم من أعمالهم ) . تلك سمة خاصة بالثورات المحافظة ، ثورات الثلاثينيات بألمانيا ، وثورات أتباع تاتشر ، ريغان وآخرين ، تتمثل في تقديم الإصلاحات باعتبارها ثورات . وتتخذ الثورة المحافظة اليوم شكلا غير مسبوق : ولا يتعلق الأمر ، كما ف

المزيد


ضد تدمير حضارة

مايو 28th, 2007 كتبها معروف نشر في , نصوص بيير بورديو

       

ضد تدمير حضارة

 

أناهنا لكي أعرب عن مساندتي لكل أولئك الذين يُصارعون منذ ثلاثة أسابيع ويقاومون تدمير حضارة مرتبطة بوجود المصالح العمومية ، تلك المتمثلة في المساواة الجمهورية في الحقوق : الحق في التعليم ، الصحة والثقافة ، البحث والفن ، وقبل كل شيء ، الحق في الشغل .

أنا هنا كي أقول إننا نتفهم هذه الحركة العميقة ؛ أي في نفس الآن فقدان الأمل والآمال التي تعبر عن ذاتها هنا ونستشعرها أيضا ؛ لأجل أن نقول إننا لا نفهم ( أو إننا لن نفهم إلا بشكل عميق وزائد ) أولئك الذين لا يتفهمونها كهذا الفيلسوف الذي اكتشف باندهاش من خلال " صحيفة الأحد ليوم 10 ديسمبر ، الهوة القائمة في ما بين التفهم العقلاني للعالم " المشخص حسب رأيه في ألان جوبي ــ وهو يقولها حرفيا ــ ، و " الرغبة العميقة لدى الناس " .

إن هذا التعارض في ما بين الرؤيا على المدى الطويل لدى " أحد أفراد النخبة " المتنورة ونبضات الشعب القصيرة النظر أو نبضات ممثليه هو تعارض مميز للفكر الرجعي في كل الأزمنة والبلدان ، لكنه يتخذ اليوم صيغة جديدة مع نبالة الدولة التي تستمد الإقناع بمشروعيتها من العنوان المدرسي ، ومن سلطة العلم ، والاقتصادي منه خاصة : فليس العقل والحداثة وحدهما بالنسبة لحكام الحق الإلهي الجدد هؤلاء هما من جانب الحكام وإنما الحركة والتغيير أيضا ؛ وزراء وباطرونات أو " خبراء " ؛ واللاعقل والبدائية ، العطالة ونزعة المحافظة هي من جانب الشعب والنقابات والمثقفين النقدييـــن .

إن هذا اليقين التكنوقراطي هو الذي عبر عنه جوبي عندما استكتب نفسه قائلا : أريد أن تكون فرنسا بلدا جديا وبلدا سعيدا س . وهو ما يقبل الترجمة هكذا : أريد ان يكون الأشخاص الجديون ؛ أي النخبة والنبلاء ، أولئك الذين يعرفون أين توجد سعادة الشعب في مستوى تحقيق سعادة الشعب على الرغم منه ، أي ضدا على إرادته التي أعمتها بالفعل رغائبه التي تحدث عنها الفيلسوف ؛ فالشعب لا يعرف أين تكمن سعادته ــ وبخاصة سعادته في أن يُحكم من طرف أناس كالسيد جوبي ــ يعرفون أين تكمن سعادته أفضل منه س . بهذه الطريقة يفكر التكنوقراطيون وبها يفهمون الديمقراطية . ويُفهم من ذلك أنهم لا يفهمون أن الشعب الذي يدعون أنهم يحكمون باسمه ، ينزل إلى الشارع ــ مفعما بالإحساس بالغبن ! ــ من أجل معارضتهم .

إن نبالة الدولة هاته التي تبشر بذبول الدولة والسيادة بدون شريك للسوق وللمستهلك

المزيد


حركة العاطلين معجزة اجتماعية

مايو 3rd, 2007 كتبها معروف نشر في , نصوص بيير بورديو

حركة العاطين ، معجزة اجتماعية
 
بـقـلـم : بيير بورديو
عـــن : " نقيض نار " ( نصوص من أجل المساهمة في مناهضة المد النيوليبرالي ) ماي 98 .
 إن حركة العاطلين هذه حدث وحيد من نوعه واستثنائي . وبعكس ما يتم تكراره لنا باستمرار على طول صفحات الجرائد المكتوبة والمنطوقة ، فإن هذا الاستثناء الفرنسي شيء يمكننا أن نفخر به . لقد أوضحت بالفعل كل الأعمال العلمية أن البطالة تدمر كل أولئك الذين تطالهم وتمحق مبيدة دفاعاتهم وإمكاناتهم الاحتجاجية .
وإذا أمكن إبطال هذا الضرب من القدرية ، فذلك بفضل العمل الدؤوب للجمعيات والأفراد الذين شجعوا وساندوا ونظموا هذه الحركة . وأنا لا أستطيع أن أمنع نفسي عن اعتبار كون أن مسؤولين سياسيين من اليسار ونقابات نددوا بهذا الفعل ( ملتقين من جديد مع خطاب الباطرونا الأصلي ضد النقابات الناشئة ) شيئا خارجا عن المألوف واستثنائيا ، هناك حيث كان عليهم أن يعترفوا بفضائل العمل المناضل الذي بدونه ، ونحن نعرف ذلك جيدا ، لم يكن ليكون هنالك أي شيء أبدا يشبه حركة اجتماعيـة . كما أنني من جهتي أصر على التعبير عن احترامي وامتناني ـ الذي هو من الكلية بمقدار ما أن مبادرة هؤلاء السياسيين تبدو لي مبادرة ميؤوسا منها ـ لكل أولئك الذين بداخل النقابات والجمعيات المتجمعة في حضن الحالات العامة من أجل الحركة الاجتماعية، جعلوا ممكنا ما يشكل بحق معجزة اجتماعية لن ننتهي على التو من اكتشاف فضائلها وحسن صنيعها .
إن أول فتح لهذه الحركة هو الحركة ذاتها ووجودها ذاته : فقد انتشلت العاطلين ،ومعهم كل العمال المهددين بالهشاشة والذين تتعاظم أعدادهم يوما عن يوم ، من الاختفاء عن الأنظار ومن الوحدة والصمت ، وباختصار من اللاوجود .
وبعودة ظهورهم في واضحة النهار ، فقد حمل العاطلون ونق

المزيد


الباحثون، علم الاقتصاد والحركة الاجتماعية

أبريل 29th, 2007 كتبها معروف نشر في , نصوص بيير بورديو

الباحثون ، علم الاقتصاد والحركة الاجتماعية          

 لقد كانت حركة ديسمبر 1995 الاجتماعية حركة غير مسبوقة بفعل مداها وأهدافها الخاصة . وإذا كانت قد اعتبرت جد هامة من قبل جزء كبير من الساكنة الفرنسية والساكنة العالمية أيضا فلأنها على الخصوص اعتمدت أهدافا جديدة كليا في مجال الصراعات الاجتماعية . بارتباك وغموض ، وبخصوص نمط المخطط الإجمالي فقد جاءت بمشروع مجتمعي حقيقي مصادق عليه جماعيا وقادر على مجابهة المشروع المجتمعي المفروض من طرف السياسة المهيمنة ومن طرف الثوريين المحافظين الذين هم حاليا في السلطة وبداخل المؤسسات السياسية ومؤسسات إنتاج الخطاب .وبتساؤلي عن ما يمكن للباحثين أن يضيفوه لمقاولة شبيهة بالحالات العامة اقتنعت بضرورة حضورهم المكتشف للبعد الثقافي والإيديولوجي الخالص لهذه الثورة المحافظة . وإذا كانت حركة ديسمبر حركة موافقا عليها بالأغلبية الساحقة بشكل جد واسع فذلك لأنها بدت كدفاع عن المكتسبات الاجتماعية لا لفئة اجتماعية خاصة ـ حتى ولو كانت فئة اجتماعية خاصة هي عود ثقاب هذه الحركة لأنها مست بشكل خاص أكثر من غيرها ـ وإنما لمجتمع بأكمله ، بل حتى لعدد من المجتمعات : وتتعلق هذه المكتسبات بالشغل ، بالتعليم والنقل العموميين ، وبكل ما هو عمومي ، ومن ثمة فهي تتعلق بالدولة ؛ هذه المؤسسة التي ليست بالضرورة ـ بعكس ما يراد لنا أن نعتقد ـ بدائية ورجعية . وإذا كانت هذه الحركة قد ظهرت بفرنسا ، فإن ذلك ليس وليد الصدفة ؛ فهناك أسباب تاريخية ، لكن ما يمكن أن يثير الملاحظين هو أنها تتواصل بصيغة تناوبية ؛ بفرنسا بصيغ مختلفة وغير متوقعة ـ حركة السائقين ، فمن كان ينتظر وقوعها بهذا الشكل ؟ .. ـ وأيضا بأوربا ؛ بإسبانيا حاليا ؛ باليونان منذ بضعة سنوات ؛ بألمانيا حيث استلهمت الحركة من الحركة الفرنسية وأعلنت بشكل صريح عن صلتها بها ؛ بكوريا ـ وهو ما يعتبر أيضا جد هام لأسباب رمزية وعملية . إن هذا الضرب من الصراع التناوبي هو في ما يبدو لي في بحث عن وحدته النظرية والعملية خاصة . ويمكن أن تعتبر الحركة الفرنسية طليعة صراع عالمي ضد الليبرالية الجديدة وضد الثورة المحافظة الجديدة التي يتخذ البعد الرمزي ضمنها أهمية كبيرة جدا . إلا أنني أعتقد أن إحدى نقط ضعف الحركات التقدمية يتمثل في كونها قللت من شأن هذا البعد ، ولم تنحث دائما أسلحة ملائمة لمقاومته ومصارعته . إن الحركات الاجتماعية متخلفة عن عديد من الثورات الرمزية بالمقارنة مع خصومها الذين يعتمدون مستشارين في الاتصال ومستشارين في التلفزة .. الخ . تعلن الثورة المحافظة أنها ليبرالية جديدة مضفية على ذاتها الهالة العلمية والقدرة على العمل بوصفها نظرية ، وإحدى الأخطاء النظرية والعملية لكثير من النظريات ـ ابتداء بالنظرية الماركسية ـ تمثلت في نسيان الأخذ بعين الاعتبار لفعالية النظرية ، وليس من حقنا أن نرتكب هذا الخطأ . إننا في مواجهة خصوم مسلحين بنظريات ؛ ويتعلق الأمر في ما يبدو لي بمقارعتهم بأسلحة فكرية وثقافية ، ولممارسة هذا الصراع ، وبفعل تقسيم الشغل ، فإن البعض من الناس مسلح بشكل أفضل من الآخرين ؛ وذلك لأن تلك مهنتهم ، وعدد معين من بينهم مستعد للانهماك في العمل ، فبماذا يمكنهم أن يساهموا ؟ .. أولا بسلطة معينة . فماذا سمي الأشخاص الذين ساندوا حكومة ديسمبر ؟ .. لقد سموا خبراء ، في حين لم تكن تلك بالنسبة لهم كلهم ربع بداية البداية لاقتصادي ما . يجب أن يواجه تأثير السلطة هذا بتأثير سلطة أخرى للسلطة . لكن هذا ليس كل شيء ؛ فقوة السلطة العلمية الممارسة على الحركة الاجتماعية ، وحتى أعماق ضمائر العمال قوة كبيرة جدا ؛ إنها تحدث شكلا من أشكال تثبيط العزائم ، وأحد أسباب قوتها يتمثل في أنها تمارس من طرف أناس يبدو عليهم أنهم على وفاق في ما بينهم ـ فالتوافق هو بشكل عام علامة على الحقيقة ، ولأنها أيضا تستند وتتكئ على الأدوات التي يمتلكها اليوم هذا

المزيد